أحمد الخراز البغدادي
26
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
أفلا ترى أنهم في حياتهم : لم يضنوا بالشيء عن اللّه ، عزّ وجلّ ؟ ! . وكذلك لم يورثوه ، وخلفوه للّه : عزّ وجلّ ، كما كان في أيديهم للّه ، تعالى ؛ لم يحدثوا فيه ، ولم يخولوه من بعدهم أحدا . وإن هذا : لبلاغ لمن عقل عن اللّه تعالى وأنصف من نفسه . وهذا : أئمة الهدى بعد رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم : أبو بكر ، رضي اللّه عنه حين ملك الأمر ، وجاءته الدنيا راغمة من حلها ، لم يرفع بها رأسا ، ولم يتصنع ، وكان عليه كساء يخلله ، وكان يدعى : ذا الخلالين . وهذا : عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، حين جاءته الدنيا راغمة ، من حلها ، وكان طعامه : الخبز والزيت ، وفي ثوبه بضع عشرة رقعة : بعضها من أدم ، وقد فتحت عليه كنوز كسرى وقيصر . وهذا عثمان ، رضي اللّه عنه ، كأنه واحد من عبيده ، في اللباس والزي ! ! ولقد روي عنه : أنه رؤي خارجا من بستان له ، وعلى عنقه حزمة من حطب ، فقيل له في ذلك ؛ فقال : أردت أن أنظر نفسي : هل تأبى ؟ . أفلا ترى : أنه كان غير غافل عن نفسه ، وتعاهدها ورياضتها ؟ . وهذا : عليّ بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، في الخلافة ، قد اشترى إزارا بأربعة دراهم ، واشترى قميصا بخمسة دراهم ، فكان في كمه طول ، فتقدم إلى خراز « 1 » ، فأخذ الشفرة ، فقطع الكم مع أطراف أصابعه ، وهو يفرق الدنيا يمنة ويسرة ! . وهذا : الزبير « 2 » ، رضي اللّه عنه ، يخلف ، حين مات ، من الدين مائتي ألف أو أكثر ، كل ذلك من الجود والسخاء والبذل !
--> ( 1 ) الخرّاز : صانع الخرز . و - : من حرفته الخرز . ( 2 ) الزبير ( 28 ق ه - 36 ه - 594 - 656 م ) . الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي ، أبو عبد اللّه ، الصحابي الشجاع ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأول من سلّ سيفه في الإسلام . وهو ابن عمة النبي صلّى اللّه عليه وسلم أسلم وله 12 سنة . وشهد بدرا وأحدا وغيرهما ، وكان على بعض الكراديس في اليرموك . وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب ، وجعله عمر في من يصلح للخلافة بعده . وكان موسرا ، كثير المتاجر ، خلف أملاكا ، قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل بوادي السباع ، له 38 حديثا . الأعلام 3 / 43 ، وتهذيب ابن عساكر 5 / 355 ، والجمع 150 ، وصفة الصفوة 1 / 132 ، وحلية 1 / 89 .